محد مثلي
06-18-2008, 08:10 PM
[]]الســـــــــــلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
هذي قصه اعجبتني للكاتبه هديل الحضيف
من كتاب (ظلالهم لا تتبعهم )..
/
/
/
/
مكتب سنديان عتيق ..
زجاجة حبر فارغه ..
وباب نصف موصد ..
المطر في الخارج يضرب الارض بعنف .
نمت حول جسدي خيوط العنكبوت .
ويدي تمسك بجرح قديم ..
دقات الساعه الرتيبه , تتسابق للثانية عشره ..
بينما النوم ياخذ طريقه الى كل شي سواي ..
كحداء حزين .. عادت الذاكره تستجدي ذكريات الالم ..
تلك الذاكره التي ما فتئت اجرها لأزقة حي ممطور تحت تراب الزمن ..
حيث كان النزف الأول ...
كنت اغادر عامي الثالث عشر , حينما سمعت صوت امها صارخا قبل ان يولد الفجر بساعات قليله ..
علمت صباحا ان جارتنا ام العشرة بنين , قد انجبت اخيرا ..بنتا ز
عرفاً,لم تكن سوى ابنة لجيراننا , لكني احسست بها شيئا اخرا .. شيئا يختلف تماما , كنت أبرر لنفسي هذا الامر كوني وحيدا بلا اخوه , لكني اكتشفت ( متأخرا) ان هذا السبب لم يكن سوى ارض هشة , تهاوت على حين غفلة من تحتي .
سألت امي ان اذهب معها , ثم ا نتابني شعور أني سألتها امرا منكرا , فأردفت قائلاً :
- - لم ار في حياتي مولودا يا أمي ..
ضحكت ..وسمحت لي بمرافقتها ..
• * *
قلت لأم سعد :
- سموها (ضي) ..
حينما اخبرتني بأنهم لم يختاروا لها اسما بعد , لم أسمع بهذا الاسم من قبل , لكنه جاء على لساني في تلك اللحظه فقط .
وضعتها امها بين يدي , سافرت عيناي في خريطة وجهها المنمنم , عيناها .. مادلهما الضياء بعد , خفظت رأسي وقبلت جبينها ثم اعدتها لأمها .
رغم اولاد جيراننا العشره , الا اني لم احس بجيرتهم الا بعد (ضي) . اصبحت اتردد عليهم يوميا ً.. لا لسبب ..سواها .. حتى نهرتني أمي قائلة بأني اصبحت رجلاً وليس من اللا ئق ان ادخل بيت جيراننا .
ألف الناس رؤيتي مع (ضي ) في السوق , بعد ان اكملت عامها الثاني . ضحكتها التي تملؤني فرحاً.. عيناها الواسعتان .. لونها النجدي ..الطيني , كل هذه اصبحت اساسا في حياتي ,,
اخذها عصرا معي للسوق حيث أقف في دكان ابي , واتركها تعبث بكل شيْ .. واكتفي انا بالضحك !
• * *
ضحكت كثيرا في ذاك المساء , بعد ما قالت لي أمي وهي تناولني فنجان القهوه :
- ام سعد تقول : ان (ضي) .. لا تكاد تعرف سوى (خالد ) ..
حتى انا بالكاد تعرفني .. فكيف بوالدها واخوتها "
علقت امي :
- قد يأتي يوم .. وبالكاد تعرفك ..
- ثم اسفر المساء بابتسامة ابي ..
• * *
لم اشعر بالزمن الا ذاك الصباح, حينما طرقت الباب .. لتخرجي الي (ضي) وتخبرني بأن امها رفضت ان تسمح لها بالحروج معي ,
لانها كما تقول امها قد اصبحت كبيره , ومن (العيب ) ان تخرج مع الرجال .
(عمي ) .. سأظل اشتري من دكانكم ..
"عمي "..
بقيت ترن في أذني ..تتفجر ..
لم اشعر يوما با الالم كشعوري به ذالك اليوم
كأنما تعزيني .. وا بتسمت ثم توارت خلف الباب الذي أوصد ببطء ..
استلقيت على فراشي , لأكتشف ان الفلك قد دارعشر دورات كامله منذ ان اشرقت (ضي ) ذات ليله .
كنت اشعر بالغيظ ..بالجرح ..وبحزن دام ..
كيف تمنعني ام سعد من ضي وقد قبلتها صباحا ما, بين عينيها ؟ ..
كيف تمنعني وقد اضاءت حياتي لعشر سنوات ؟ ..
كيف يطيب لها ان تغمر باقي ايامي بالظلام دون سابق انذار ؟ ..
ثم الفيت نفسي ابكي .. وقد ارتوت وسادتي دموعا ..
هبط الليل شيئا فشيئا على قلبي , مر زمن دون ان احرج من الغرفه , حتى قهوة المساء لم اتناولها مع اهلي , المرض بدأ يتسرب الي , وأحذت الحمى تسري في اوردتي .
طرقت امي الباب اول الليل ثم دخلت , راعها منظري , وجه محتقن ..عرق نازف ..وجسد مشتعل ز لم تتكلم , أطالت النظر الي , ثم وضعت يدها على رأسي , وأدنت فمها من أذني وهمست :
- - وما الذي يعنيك من أمر طفله ؟ّ!!
- امي , هي الشخص الوحيد الذي يكاد يفهمني في كل شي , كنت متأكدا من انها تعلم عمق (ضي) في حياتي , و اني مازلت أعدها جزءا مني , قلت لأمي :
- هي طفله ..لكنها طفلتي ..ىام سعد قالت ذات زمن انها متعلقه بي .. فكيف اقطع حبلا ضفر بعشر سنين ؟!!
- مسحت امي وجهي بقماش مبلل, في محاوله يائسه لاطفاء الحمى التي سرعان ماتقدت في سائر جسدي , ثم اويت لنوم متقطع حتى الفجر .
- * * *
ككل الاشياء التى تبدأ كبيره ثم تصغر.. كانت (ضي) , سعلة بدأت متوهجه ثم احذت تخبو رويدا رويدا .
تمر بدكان الذي ال الي بعد وفاة والدي , تبتسم لي .. فأرد ابتسامة باهته .. فقدت الوانها منذ ان حال بيننا ذاك الباب في صباح عمره زمن جريح .
لا يؤلمني امر اكثر من قولها : " عمي " , رغم انها غدت خارج اسواري , لازلت أكرهها منها , كم مره كادت ان تجمح جيادي لأقول لها: " خالد" , فألجمها قبل ان تنطلق , ويبقى في قلبي طيف منها في طريق عودتي مساء , ثم اقتله حالما تبتعلني الدار .
اجتاح الركود حياتي , الا من بعض الأعمال التي يتطلبها الدكان , ثم يعود الايقاع الرتيب لساعاتي .
أمي.. السيده التي تتربع على عرش قلبي , تسللت الى غرفتي حيث الشتاء قد اثقل وطأته تلك الليله , حاملة (الوجار ) ثم جلست بجواري على الفراش :
- اتشعر بالبرد ؟
سألتني وهي تعرف الاجابه ..
- اشعر بالملل..
زفرتها .. حاره كئيبه ..
- بلغت هذا العمر .. ولم تتزوج .. ولا تريد ان تشعر بالملل ؟!!
أيقظت في هاجسا غافيا , حاولت ان اعيده الى نومه :
- الزواج ليس كل شيْ .
- لكنه سيغيد الالوان الى حياتك ..
اجبتها بصوت تخلله الجوى :
- ماعاد في حياتي الوان يا أمي..
لم تكن تلك المره الوحيده التي حاولت بها امي ان تطرق ابواب القلب المرتجه ..
شئ خفي كان يدفعني للرفض في كل مره ز كل مساء تأتي امي وهي تحمل لي اسماء لتعرضها علي , وأبدو كمن يفتش عن ضائع ما .. وحينما لا اجده.. ارد بضاعتها اليها .
- تبحث عنها .. أليس كذالك ؟..
لم اكن انتظر سؤال كهذا ,لا ادل دربا لاجابته ..فا اكتفيت بالصمت .ولاذت با الانسحاب .
نهش التفكير كل مساحات عقلي تلك الليله :
- أحقا أنا أبحث عنها .. رغم كل مسافات البعد ..
ثم صرخ بي الفجر دون ان تهتدي مراكبي .
• * *
عشت موشوشا , تأتي كل (عصر) الي لتشتري مني , حضورها يبني مدنا من غموض , لا انتشي , لا احزن , لا افرح , ولا أي شعور عادي اخر , شعور مبهم .. يجعلني أرقب حضورها ..وحسب .
ويظل يقرعني سؤال : أ تشعر بي ؟! .. وحينما يتسرب الي صوتها ب: (ياعمي)..تنهار كل الاسئله ,وأتقو قع كطير صغير مبلول ..
كنت أعنف نفسي .. كيف تشرع سفن شعورك نحوها .. وقد كا نت ذات يوم طفله بين يديك , لم تفتح عينيها بعد , ثم اذكر قبلتي على جبينها , فيغرق داخلي بفيضان ماء مالح ..
• * *
مثل كل ليله , تأتي أمي الى فراشي , تتحدث معي قليلا , تذكرني بلذي لا انساه :
- خالد .. أحفادي ..
ضحكت بقلب مذبوح ..
رمت السهم الاخير في جعبتها :
- اما زلت تريدها ؟ ..
ظللت احدق بخشبات السقف دون ان اتكلم ..
- رجل بعمرك .. بحاجه الى زوجه ..لا طفله ..
- التفت اليها ببطء :
- - لكنها لم تعد طفله .. اني اعد ا يامها يا امي ..
- صمتت طويلا ثم همت بالخروج , أطياف كلمات كنت أراها تتعثر عند شفتيها ...
أمي ..
قلتها وهي توشك ان تغلق الباب ..
- - ا صدقيني .. مالذي كدت تقولينه ..؟؟
- عادت الي , وعيناها تمور في بحر من الدمع مائج ..
- - خالد .. سامحني يا بني ..
- - ضي .. ما بها .. ؟!
- خرج السؤال خائفا مبحوحا ..
- جرت حروفها بصعوبه :
- - خطبت .. وزواجها بات وشيكا ..
- انقبض قلبي .. احسست بزلزال يضرب اعماقي .. كل ما حولي غدا بلا ملامح .. كا ئنات هلاميه تموج ..
- امنيتي ..اغنيتي.. ضحكتي .. ودمعتي .. تلاشت كما يحترق نجم السماء ..
- وعاد صوتها : " عمي " يتأرجح داخلي , فغاص الوجع عميق...ا عميقا ..
• * *
ضرب المرض جسد امي المثقل بالسنين , فأسرها فراشها وبقيت معها حتى سكنت انفاسها في ليله حالكه تماما ..
عدت من الصلاة عليها , وفي قلبي الف حزن ...وحزن ..
البيت موحش , كمعبد بوذي تسكنه الاشباح , دخلت غرفتي واستلقيت على فراشي ارتقب مجيْ امي ككل ليله , بدا الصباح ميتا ,
لم أسمع صوت الأواني بالمطبخ , ولم ا شم رائحة (حمس ) القهوه .
في الفناء .. بقيت ا نتظر ان تأتي أمي , حتى ايقنت انها رحلت لما خلف الأفق .
وعلى انقاض حزني .. نما حزن اخر وأينع ..
كنت قد اكملت الثلاثين , وفي الليل تسلل الي صوت طبول من مكان قريب , فضربت جذور الاسى في اعماق قلبي , وتحول كل امل .. لحلم ليلة صيف ,,
اغلقت على نفسي حجرة امي , وبكيت طويلا ..
أحسست بحزن جامح .. الم موجع :
- متى كانت اخر مره بكيت فيها ؟
- قمت ألملمم بقاياي , وخرجت متسربلا بالظلام , وانا أغلق الباب للمره الاخيره , جرحت يدي جرحا مازلت أنكأه كل ليله .. كي لا انسى ..
مررت بدار (ضي) .. وتلوت تراتيل الوداع الاخيره ..
كان ثمة جدران طين عتيقه ...
[/B]
ظـل حيادي ...
هو الرحيل..
لم يتعظ ..
مازال يوقد الليل با الاسى ..
ويقتل الضوء الشحيح
تاركا الظلمه تموج في الحقل ..[/CENTER]
هذي قصه اعجبتني للكاتبه هديل الحضيف
من كتاب (ظلالهم لا تتبعهم )..
/
/
/
/
مكتب سنديان عتيق ..
زجاجة حبر فارغه ..
وباب نصف موصد ..
المطر في الخارج يضرب الارض بعنف .
نمت حول جسدي خيوط العنكبوت .
ويدي تمسك بجرح قديم ..
دقات الساعه الرتيبه , تتسابق للثانية عشره ..
بينما النوم ياخذ طريقه الى كل شي سواي ..
كحداء حزين .. عادت الذاكره تستجدي ذكريات الالم ..
تلك الذاكره التي ما فتئت اجرها لأزقة حي ممطور تحت تراب الزمن ..
حيث كان النزف الأول ...
كنت اغادر عامي الثالث عشر , حينما سمعت صوت امها صارخا قبل ان يولد الفجر بساعات قليله ..
علمت صباحا ان جارتنا ام العشرة بنين , قد انجبت اخيرا ..بنتا ز
عرفاً,لم تكن سوى ابنة لجيراننا , لكني احسست بها شيئا اخرا .. شيئا يختلف تماما , كنت أبرر لنفسي هذا الامر كوني وحيدا بلا اخوه , لكني اكتشفت ( متأخرا) ان هذا السبب لم يكن سوى ارض هشة , تهاوت على حين غفلة من تحتي .
سألت امي ان اذهب معها , ثم ا نتابني شعور أني سألتها امرا منكرا , فأردفت قائلاً :
- - لم ار في حياتي مولودا يا أمي ..
ضحكت ..وسمحت لي بمرافقتها ..
• * *
قلت لأم سعد :
- سموها (ضي) ..
حينما اخبرتني بأنهم لم يختاروا لها اسما بعد , لم أسمع بهذا الاسم من قبل , لكنه جاء على لساني في تلك اللحظه فقط .
وضعتها امها بين يدي , سافرت عيناي في خريطة وجهها المنمنم , عيناها .. مادلهما الضياء بعد , خفظت رأسي وقبلت جبينها ثم اعدتها لأمها .
رغم اولاد جيراننا العشره , الا اني لم احس بجيرتهم الا بعد (ضي) . اصبحت اتردد عليهم يوميا ً.. لا لسبب ..سواها .. حتى نهرتني أمي قائلة بأني اصبحت رجلاً وليس من اللا ئق ان ادخل بيت جيراننا .
ألف الناس رؤيتي مع (ضي ) في السوق , بعد ان اكملت عامها الثاني . ضحكتها التي تملؤني فرحاً.. عيناها الواسعتان .. لونها النجدي ..الطيني , كل هذه اصبحت اساسا في حياتي ,,
اخذها عصرا معي للسوق حيث أقف في دكان ابي , واتركها تعبث بكل شيْ .. واكتفي انا بالضحك !
• * *
ضحكت كثيرا في ذاك المساء , بعد ما قالت لي أمي وهي تناولني فنجان القهوه :
- ام سعد تقول : ان (ضي) .. لا تكاد تعرف سوى (خالد ) ..
حتى انا بالكاد تعرفني .. فكيف بوالدها واخوتها "
علقت امي :
- قد يأتي يوم .. وبالكاد تعرفك ..
- ثم اسفر المساء بابتسامة ابي ..
• * *
لم اشعر بالزمن الا ذاك الصباح, حينما طرقت الباب .. لتخرجي الي (ضي) وتخبرني بأن امها رفضت ان تسمح لها بالحروج معي ,
لانها كما تقول امها قد اصبحت كبيره , ومن (العيب ) ان تخرج مع الرجال .
(عمي ) .. سأظل اشتري من دكانكم ..
"عمي "..
بقيت ترن في أذني ..تتفجر ..
لم اشعر يوما با الالم كشعوري به ذالك اليوم
كأنما تعزيني .. وا بتسمت ثم توارت خلف الباب الذي أوصد ببطء ..
استلقيت على فراشي , لأكتشف ان الفلك قد دارعشر دورات كامله منذ ان اشرقت (ضي ) ذات ليله .
كنت اشعر بالغيظ ..بالجرح ..وبحزن دام ..
كيف تمنعني ام سعد من ضي وقد قبلتها صباحا ما, بين عينيها ؟ ..
كيف تمنعني وقد اضاءت حياتي لعشر سنوات ؟ ..
كيف يطيب لها ان تغمر باقي ايامي بالظلام دون سابق انذار ؟ ..
ثم الفيت نفسي ابكي .. وقد ارتوت وسادتي دموعا ..
هبط الليل شيئا فشيئا على قلبي , مر زمن دون ان احرج من الغرفه , حتى قهوة المساء لم اتناولها مع اهلي , المرض بدأ يتسرب الي , وأحذت الحمى تسري في اوردتي .
طرقت امي الباب اول الليل ثم دخلت , راعها منظري , وجه محتقن ..عرق نازف ..وجسد مشتعل ز لم تتكلم , أطالت النظر الي , ثم وضعت يدها على رأسي , وأدنت فمها من أذني وهمست :
- - وما الذي يعنيك من أمر طفله ؟ّ!!
- امي , هي الشخص الوحيد الذي يكاد يفهمني في كل شي , كنت متأكدا من انها تعلم عمق (ضي) في حياتي , و اني مازلت أعدها جزءا مني , قلت لأمي :
- هي طفله ..لكنها طفلتي ..ىام سعد قالت ذات زمن انها متعلقه بي .. فكيف اقطع حبلا ضفر بعشر سنين ؟!!
- مسحت امي وجهي بقماش مبلل, في محاوله يائسه لاطفاء الحمى التي سرعان ماتقدت في سائر جسدي , ثم اويت لنوم متقطع حتى الفجر .
- * * *
ككل الاشياء التى تبدأ كبيره ثم تصغر.. كانت (ضي) , سعلة بدأت متوهجه ثم احذت تخبو رويدا رويدا .
تمر بدكان الذي ال الي بعد وفاة والدي , تبتسم لي .. فأرد ابتسامة باهته .. فقدت الوانها منذ ان حال بيننا ذاك الباب في صباح عمره زمن جريح .
لا يؤلمني امر اكثر من قولها : " عمي " , رغم انها غدت خارج اسواري , لازلت أكرهها منها , كم مره كادت ان تجمح جيادي لأقول لها: " خالد" , فألجمها قبل ان تنطلق , ويبقى في قلبي طيف منها في طريق عودتي مساء , ثم اقتله حالما تبتعلني الدار .
اجتاح الركود حياتي , الا من بعض الأعمال التي يتطلبها الدكان , ثم يعود الايقاع الرتيب لساعاتي .
أمي.. السيده التي تتربع على عرش قلبي , تسللت الى غرفتي حيث الشتاء قد اثقل وطأته تلك الليله , حاملة (الوجار ) ثم جلست بجواري على الفراش :
- اتشعر بالبرد ؟
سألتني وهي تعرف الاجابه ..
- اشعر بالملل..
زفرتها .. حاره كئيبه ..
- بلغت هذا العمر .. ولم تتزوج .. ولا تريد ان تشعر بالملل ؟!!
أيقظت في هاجسا غافيا , حاولت ان اعيده الى نومه :
- الزواج ليس كل شيْ .
- لكنه سيغيد الالوان الى حياتك ..
اجبتها بصوت تخلله الجوى :
- ماعاد في حياتي الوان يا أمي..
لم تكن تلك المره الوحيده التي حاولت بها امي ان تطرق ابواب القلب المرتجه ..
شئ خفي كان يدفعني للرفض في كل مره ز كل مساء تأتي امي وهي تحمل لي اسماء لتعرضها علي , وأبدو كمن يفتش عن ضائع ما .. وحينما لا اجده.. ارد بضاعتها اليها .
- تبحث عنها .. أليس كذالك ؟..
لم اكن انتظر سؤال كهذا ,لا ادل دربا لاجابته ..فا اكتفيت بالصمت .ولاذت با الانسحاب .
نهش التفكير كل مساحات عقلي تلك الليله :
- أحقا أنا أبحث عنها .. رغم كل مسافات البعد ..
ثم صرخ بي الفجر دون ان تهتدي مراكبي .
• * *
عشت موشوشا , تأتي كل (عصر) الي لتشتري مني , حضورها يبني مدنا من غموض , لا انتشي , لا احزن , لا افرح , ولا أي شعور عادي اخر , شعور مبهم .. يجعلني أرقب حضورها ..وحسب .
ويظل يقرعني سؤال : أ تشعر بي ؟! .. وحينما يتسرب الي صوتها ب: (ياعمي)..تنهار كل الاسئله ,وأتقو قع كطير صغير مبلول ..
كنت أعنف نفسي .. كيف تشرع سفن شعورك نحوها .. وقد كا نت ذات يوم طفله بين يديك , لم تفتح عينيها بعد , ثم اذكر قبلتي على جبينها , فيغرق داخلي بفيضان ماء مالح ..
• * *
مثل كل ليله , تأتي أمي الى فراشي , تتحدث معي قليلا , تذكرني بلذي لا انساه :
- خالد .. أحفادي ..
ضحكت بقلب مذبوح ..
رمت السهم الاخير في جعبتها :
- اما زلت تريدها ؟ ..
ظللت احدق بخشبات السقف دون ان اتكلم ..
- رجل بعمرك .. بحاجه الى زوجه ..لا طفله ..
- التفت اليها ببطء :
- - لكنها لم تعد طفله .. اني اعد ا يامها يا امي ..
- صمتت طويلا ثم همت بالخروج , أطياف كلمات كنت أراها تتعثر عند شفتيها ...
أمي ..
قلتها وهي توشك ان تغلق الباب ..
- - ا صدقيني .. مالذي كدت تقولينه ..؟؟
- عادت الي , وعيناها تمور في بحر من الدمع مائج ..
- - خالد .. سامحني يا بني ..
- - ضي .. ما بها .. ؟!
- خرج السؤال خائفا مبحوحا ..
- جرت حروفها بصعوبه :
- - خطبت .. وزواجها بات وشيكا ..
- انقبض قلبي .. احسست بزلزال يضرب اعماقي .. كل ما حولي غدا بلا ملامح .. كا ئنات هلاميه تموج ..
- امنيتي ..اغنيتي.. ضحكتي .. ودمعتي .. تلاشت كما يحترق نجم السماء ..
- وعاد صوتها : " عمي " يتأرجح داخلي , فغاص الوجع عميق...ا عميقا ..
• * *
ضرب المرض جسد امي المثقل بالسنين , فأسرها فراشها وبقيت معها حتى سكنت انفاسها في ليله حالكه تماما ..
عدت من الصلاة عليها , وفي قلبي الف حزن ...وحزن ..
البيت موحش , كمعبد بوذي تسكنه الاشباح , دخلت غرفتي واستلقيت على فراشي ارتقب مجيْ امي ككل ليله , بدا الصباح ميتا ,
لم أسمع صوت الأواني بالمطبخ , ولم ا شم رائحة (حمس ) القهوه .
في الفناء .. بقيت ا نتظر ان تأتي أمي , حتى ايقنت انها رحلت لما خلف الأفق .
وعلى انقاض حزني .. نما حزن اخر وأينع ..
كنت قد اكملت الثلاثين , وفي الليل تسلل الي صوت طبول من مكان قريب , فضربت جذور الاسى في اعماق قلبي , وتحول كل امل .. لحلم ليلة صيف ,,
اغلقت على نفسي حجرة امي , وبكيت طويلا ..
أحسست بحزن جامح .. الم موجع :
- متى كانت اخر مره بكيت فيها ؟
- قمت ألملمم بقاياي , وخرجت متسربلا بالظلام , وانا أغلق الباب للمره الاخيره , جرحت يدي جرحا مازلت أنكأه كل ليله .. كي لا انسى ..
مررت بدار (ضي) .. وتلوت تراتيل الوداع الاخيره ..
كان ثمة جدران طين عتيقه ...
[/B]
ظـل حيادي ...
هو الرحيل..
لم يتعظ ..
مازال يوقد الليل با الاسى ..
ويقتل الضوء الشحيح
تاركا الظلمه تموج في الحقل ..[/CENTER]